“على الرغم من كون منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا تضّم نحو ٦٪ من سكّان العالم، فإنّها لا تمتلك سوى ١٪ فقط من مياه الكوكب العذبة المتجدّدة” (معهد واشنطن، ٢٠٢١).
تجد منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا نفسها اليوم في صلب أزمة مياه دوليّة، إذ تُعدّ المنطقة الأكثر تعرّضًا للإجهاد المائيّ حول العالم. وتواجه مجتمعاتها موجات جفاف متفاقمة وتراجعًا في تدفقّات الأنهار واختفاءً متسارعًا للينابيع، ممّا يهدّد سُبُل العيش والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
تأثير أزمة شُحّ المياه على المجتمعات المحليّة في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا
تواجه المجتمعات المحليّة في مختلف أنحاء منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيّما في المناطق الرّيفيّة، آثارًا اجتماعيّة واقتصاديّة ثقيلة نتيجة أزمة شُحّ المياه تنعكس على الكثير من جوانب حياتها.
- يعيش أكثر من ٦۰% من سكّان المنطقة تحت تأثير إجهاد مائيّ مرتفع أو مرتفع جدًا، مقارنةً بمتوسّط عالمي يُقدَّر بنحو ٣٥% (ReliefWeb، ٢٠١٧).
- ستتكبّد منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى خسائر اقتصاديّة مُنتظرة عالميًا نتيجة شُحّ المياه المُرتبط بأزمة المناخ، حيث يُتوقَّع أن تتراوح هذه الخسائر بين ٦ و١٤% من النّاتج المحلي الإجمالي بحلول العام ٢٠٥٠ (البنك الدّولي، ٢٠١٧).
- يُعدّ القطاع الزراعي أكبر مُستهلك للمياه في المنطقة، إذ يستأثر بأكثر من ٨۰% من إجمالي استخدامات المياه، وهو ما يجعل المزارعين والمجتمعات الرّيفية أكثر عرضةً لمخاطر الجفاف واستنزاف المياه الجوفيّة (اليونيسف، ٢٠٢١).
- “إنّ مخاطر الفيضانات والجفاف آخذة في التّزايد، ومن المُرجّح أن تُلحق آثارًا سلبية غير متكافئة بالفئات الأشد فقرًا وهشاشةً” (البنك الدّولي، ٢٠١٧).
وتُبرز هذه المعطيات وغيرها الأثر العميق لشُحّ المياه على المنطقة. فمع تدهور الموارد المائية، تشهد المجتمعات نزوحًا متزايدًا وهجرانًا للأراضي الزّراعية واعتمادًا متزايدًا على مصادر المياه الخاصّة مرتفعة التّكلفة ممّا يُسهم في تعميق أوجه عدم المساواة وتعزيز الفوارق الاجتماعيّة داخل المجتمعات المحليّة.

تدهور أحواض التّصريف المائيّ هو إحدى مسبّبات الأزمة المائيّة
إنّ أزمة شُحّ المياه في المنطقة هي بالفعل ناتجة عن تراجع معدّل المتساقطات وتغيّر المناخ ولكن أيضًا تُعتبر إحدى تداعيات تدهور أحواض التّصريف المائي نتيجة التوسّع العمراني العشوائي وإزالة الغابات والتّلوّث والاستغلال المُفرط للموارد الطبيعية. على سبيل المثال، خسر البحر الميّت، الذي يستقي عبر التّاريخ من حوض نهر الأردن، نحو ثلث مساحته من مطلع القرن العشرين (معهد لاهاي للعدالة العالمية وآخرون، ٢٠١٧)، نتيجة الانخفاض الحادّ في تدفقّات الحوض المائي المغذّي له.
عندما تتدمّر أحواض التّصريف المائيّ تدريجيًا، تتدّنى جودة المياه وتزداد الفيضانات وتختفي النُظُم البيئيّة التّي تدعم الزّراعة وسُبُل العيش. ولذلك، تزداد الحاجة إلى إيجاد حلول لحماية هذه الأحواض.

نظام الحِمى: حلٌّ من صلب المجتمع ولأجله
يتجذّر نظام االحِمى من التّقاليد المبادئ الإسلاميّة، وهو نموذج لمناطق محميّة تُشرف عليها المجتمعات وتتميّز بمقاربة فعّالة ومحليّة لإدارة المحميّات والموارد الطّبيعيّة. عند الإطّلاع على التّاريخ، نجد أنّ أنظمة الحِمى تأسّست واستُخدمت لحماية الغابات والموارد والمائيّة وغيرها.
إذا عملت المجتمعات على إعادة إحياء نظام الحِمى، يُمكن تطويعه كحّل مجتمعي طبيعي يُساهم في:
خلق منافع اقتصاديّة واجتماعيّة مثل فرص العمل الخضراء والحفاظ على سُبُل العيش.
حماية أحواض التّصريف المائيّ ومناطق تغذية المياه الجوفيّة
منع التلّوث والاستغلال المُفرط للموارد الطّبيعيّة
استعادة صحّة التُربة
ضمان الوصول العادل للموارد المائيّة
وبذلك، يضع نظام الحِمى جودة حياة النّاس وصحّة البيئة أوّلًا!

الحفاظ على المياه هو حفاظ على الحياة.
يلعب شُحّ المياه في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا دورًا في تشكيل الظّروف الاقتصادية والاجتماعية وتأطير المستقبل البيئي. ولذلك، تُعّد حماية المياه بمثابة حماية النّاس أيضًا. إنّ إعادة إحياء نظام الحِمى يوفّر إطار عمل مجتمعي مُنبثق من الثّقافة المحليّة يهدف إلى حماية أحواض التّصريف المائيّ وإعادة بناء النُظُم البيئيّة وتعزيز سُبُل العيش المستدامة.
يتقاطع نظام الحِمى في جوهره مع مبدأ حفظ النّفس من مقاصد الشّريعة، إذ يقّر بأهميّة الحفاظ على المياه وأحواض التّصريف المائيّ كوسيلة لحماية الحياة وصحّة الإنسان والنُظُم الغذائيّة.


