
أزمة المناخ التي نشهدها اليوم باتت تُسرّع من وتيرة الظّواهر المناخيّة المتطرّفة عبر أرجاء الكوكب. وفي منطقة الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي ترتفع فيها درجات الحرارة بمعدّل يقارب ضعف المتوسّط العالمي، تواجه المجتمعات المحليّة موجات حرٍّ قاسية وجفافًا حادًّا وشحًا مائيًا وفيضاناتٍ مفاجئة، وغيرها من التّحديات البيئيّة الجسيمة.
وعندما تقع هذه الكوارث، قد لا تمتلك المجتمعات المتضرّرة الإمكانات أو الوقت أو رفاهيّة الانتظار لحين وصول جهود الإغاثة. وبدوافعٍ فطرية، يلتجئ السّكان في أغلب الأحيان إلى الأماكن المتجذّرة هيكليًا وثقافيًا في نسيج حياتهم اليوميّة ومنها المسجد المحلي. فعمليات الصّمود والتّكيّف تبدأ أحيانًا من قلب أحيائنا.
ما الذي يؤهّل مساجد المنطقة لدعم جهود الحدّ من مخاطر الكوارث؟

تمتلك المساجد في منطقة الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا حضورًا ثقافيًا وجغرافيًا لا مثيل له في المدن والأرياف على حدّ سواء. وترتبط قدرتها الاستثنائية على دعم التّكيّف المناخي والحدّ من المخاطر بثلاثة عواملٍ رئيسية:
- القرب من السّكّان وسهولة الوصول: تتوسّط المساجد الأحياء السّكنية سواء في القرى النّائية أو المدن الكبرى، ممّا يجعلها معالم بارزة ومتاحة لجميع السّكّان من دون استثناء.
- الثّقة المؤسّساتية الرّاسخة: في أوقات الأزمات، قد تواجه القنوات الرّسمية صعوبات في التّواصل، غير أن أئمة المساجد واللّجان المحليّة باستطاعتهم أن يؤدّوا دوراً مهمًّا في إيصال التّوجيهات الصّحيّة والإرشادات الأمنيّة وتدابير الإخلاء إلى أفراد المجتمع.
- البنية التّحتية المؤّهلة: صُمّمت العديد من المساجد لتستوعب المئات، بل الآلاف من الأشخاص، إذ تضمّ في أغلب الأحيان قاعات فسيحة مغطّاة ومرافق صحيّة متكاملة وأنظمة نداء صوتي مركزيّة.
.
تفعيل الطّاقات الكامنة: المساجد كمساحات لتعزيز قدرة المجتمع على الصّمود أمام الأزمات
عندما تضرب الظّواهر المناخيّة المتطرّفة المنطقة، تمتلك المساجد المؤهلّة القدرة على دعم الجهود المحليّة للإغاثة شرط أن تُقيّم ثمّ تُجهّز بالشّكل الملائم، وأن تُدمج في الخُطط المحليّة المعنيّة بالتأهّب للكوارث.
- تفعيل محطّات التّبريد وملاجئ الفيضانات: في ظلّ موجات الحرّ الشّديدة التي تتجاوز فيها درجات الحرارة حاجز الخمسين درجة في بعض الأنحاء من المنطقة، تمتلك المساجد التيّ تستوفي الشّروط التّقنية والعمرانية القدرة على دعم جهود الإغاثة. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام قاعات الصّلاة المظلّلة أو جيدة التّهوئة كمساحات تبريد مخصّصة خلال فترات الحرّ الشّديد، في حين قد توفّر المرافق ذات المواقع المناسبة ملاذًا مؤقتًا أثناء السّيول والفيضانات المفاجئة.
- تفعيل الرّعاية المحليّة للموارد المائيّة: تُعدّ المنطقة من أكثر مناطق العالم معاناةً من الإجهاد المائي، ورغم الارتفاع الطّبيعي في استهلاك المياه لأغراض الوضوء، تقدّم المساجد فرصةً استثنائية لترشيد استهلاك المياه على مستوى الأحياء. وتكشف مبادرات “المساجد الخضراء” في الأردن والمغرب والإمارات العربية المتحدّة أن تركيب مرشّدات المياه منخفضة التدفّق يقلّل الاستهلاك اليومي بشكلٍ فعّال. علاوةً على ذلك، تساهم أنظمة المعالجة في إعادة تدوير مياه الوضوء لاستخدامها في ريّ الحدائق المجتمعية خلال فترات الجفاف القاسي على سبيل المثال.
- تفعيل المآذن كأنظمة إنذارٍ مبكر: في الوقت الذّي قد تعجز فيه شبكات الإنذار الطّارئة أثناء السّيول المفاجئة في الأودية عن الوصول إلى القطاعات الّسكنية في الوقت المناسب، تبقى المنظومة القائمة لمكبرات الصّوت في المآذن بمثابة منابر إنذار محليّة عالية الفاعلية، كفيلة بإيصال التّحذيرات الجوية العاجلة وإرشادات الإخلاء الفوريّ إلى قلب تلك المنازل من دون تأخير.
- تفعيل الفقه البيئي الميداني: رغم أنّ السّياسات البيئيّة الإقليمية قد تبدو بعيدة عن الخيارات الحياتيّة للنّاس، يتجلّى الدّور البارز للأئمّة والقيادات الدّينية في غرس القيم البيئية وترسيخها لدى المجتمعات. ومن خلال إدماج مفاهيم الاستخلاف ورعاية البيئة في خطب الجمعة، ينسجم العطاء البيئي كواجب أخلاقي، ممّا يحفّز تحركًا مجتمعيًا شاملًا ينطلق من مستوى الأحياء.

عن المستقبل: المساجد شبكات للصّمود المُجتمعي
ولتحقيق هذه الإمكانات الواعدة على أكمل وجه، يتحتّم على الجهات المعنيّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تضافر الجهود لتقييم المساجد المؤهلّة وتجهيزها، عند استيفائها الشّروط اللازمة، لتغدو جزءًا لا يتجزأ من خطط التأهّب المحليّ للكوارث. إنّ تزويد هذه الصّروح بالألواح الشّمسية على أسطحها وأنظمة تخزين الطّاقة، كفيلٌ بضمان استمرارية تشغيل أنظمة التّبريد والإضاءة وضخّ المياه حتّى أثناء انقطاعات التّيار الكهربائي الناجمة عن موجات الحر الشّديدة. كما أن تزويد غرف التّخزين المخصّصة فيها بالمؤن والماء الصّالح للشرب وعُدد الإسعافات الأوّلية وأجهزة الراديو، يضمن تقديم إغاثة مجتمعية سريعة قبيل حلول مواسم العواصف والجفاف.
ويتمثّل الهدف الأساسي في رصد ودعم المساجد المستوفية للشروط التّقنية والعمرانية والجغرافية، لتمكينها من النّهوض بدورها في تعزيز قدرة المجتمعات على التّكيّف ومواجهة الأزمات، استناداً إلى تقييمات مدروسة وإلى الخطط المحليّة للاستعداد للكوارث.
انضمّوا إلينا لنشر هذه الرّؤية وإيصال هذه الحلول إلى الأحياء الأشدّ احتياجًا إليها.