عندما بدأتُ في رحلة الدُكتوراه عام ٢٠٢٤، كانت لديّ رغبة في فهم ماهيّة الرّابط بين التّمويل الإسلامي والتّصدي لمخاطر أزمة المناخ، بيد أنّ العثور على مصادر علميّة تربط بين هذين المجالين بشكل مباشر لم يكن بالأمر اليسير. وأصبحت تلك الفجوة المعرفيّة إحدى الأسباب الرّئيسيّة التّي دفعتني لاختيار هذا المسار البحثي.

التّمويل الإسلامي في مواجهة الواقع المناخي

مع مرور الوقت، شهدتُ توسّعًا في هذا النّقاش، إذ أصبحت الحوارات المتعلّقة بالمناخ أكثر حضورًا في الدّول ذات الأغلبية المسلمة، كما بدأت جملة من النّقاشات المتعلّقة بصنع السّياسات تعترف بالقدرات الكامنة وغير المستغّلة للتمويل الإسلامي في دعم العمل المناخي. ويكتسب هذا الأمر أهميّة بالغة نظرًا لأنّ العديد من الدّول المسلمة تواجه آثارًا مناخية متزايدة تتزامن مع اشتداد التّحديات الاقتصاديّة والاجتماعيّة القائمة. وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن للتّمويل الإسلامي الأخضر أن يتجاوز مجرّد كونه فكرةً مجرّدةً ليتحوّل إلى أدوات وممارسات أكثر واقعيّة وتأثيرًا  وقدرةً على إحداث تغيير جذري؟

إنّ بلدي الأم، إندونيسيا، يُعتبر أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم ويقع في في منطقة “حزام النار” بالحيّز الهادئ، لذلك فالفيضانات والانهيارات الأرضيّة والزّلازل وموجات الجفاف وظواهر الطّقس المتطّرف وما تخلّفه من أضرار، لا تشكّل قضايا بعيدة عنّا، بل هي جزء لا يتجزأ من الواقع اليومي للسكّان. وما يزيد هذه الأحداث صعوبةً هو أن آثارها تفاقمت بفعل الأنشطة البشرية، مثل: إزالة الغابات وسوء إدارة الأراضي وضعف الوعي المناخي وشح التمويل الموجّه لجهود التعّافي. 

تذكّرنا مشاهد الفيضانات التّي ضربت إقليم “آتشيه” أواخر عام ٢٠٢٥ بأنّ المخاطر المناخيّة ليست مجرد معضلة بيئيّة فحسب، بل هي قضيّة عدالة في المقام الأول. فعندما تفتقر المجتمعات إلى المصادر الماليّة الكافيّة التي تمكّنها من التعّافي السّريع، فإن الفئات الأكثر هشاشةً هي التي تتحمّل التّكلفة الأعلى. إنّ التكيّف المناخي لا يقتصر على تشييد المصدّات البحرية أو تحسين شبكات الصّرف الصّحي، بل يمتّد ليشمل حماية الإنسان واستعادة سُبٌل العيش وضمان عدم إقصاء أي أحد. وهنا تحديدًا يمكن للتمويل الإسلامي أن يقدم إسهامًا ذي قيمة حقيقيّة. 

التّمويل “الطيّب”

إنّ التّمويل الإسلامي يتجاوز مجرّد تجنّب الرّبا أو تطوير أدوات مالية متوافقة مع الشّريعة الإسلامية كبدائل للمنتجات التّقليدية. ورغم الأهميّة الجوهرية لشرط “التّوافق مع الشّريعة”، إلّا أنّ التّمويل الإسلامي يستند إلى ركائز أخلاقية عميقة. ففي صلب مقاصد الشريعة الإسلامية، تتجذّر قيم العدالة ومسؤولية أصحاب المصلحة وإعادة توزيع الثروة وتقاسم المخاطر وحماية الأكثر ضعفًا، وهي قيم تتسق اتساقًا وثيقًا مع أهداف العمل المناخي.

ومع ذلك، فإنّ المنحى الأخلاقي لهذا القطاع لم يثمر دائمًا عن نتائج تحوليّة كاملة ملموسة. ويكمن السؤال الحقيقي في مدى قدرة التّمويل الإسلامي على الانتقال من مرحلة الاكتفاء بالتّوافق الشّرعي إلى تمثيل مفهوم “الطيّب” بمعناه الشّامل: أي أن يكون خيّرًا وأخلاقيًا ونافعًا وذو أثر ملموس على حياة الإنسان والكوكب. تطرح المقاربة المستندة إلى مفهوم “الطيّب” تساؤلات لا تقف عند حدّ مشروعية المعاملة فحسب، بل تبحث في مدى تحقيقها للمنفعة وإسهامها الفاعل في إرساء قيم العدالة والتوازن وجودة الحياة.

يدعو الإسلام إلى اعتبار الأرض أمانة مقدسة خُلقت بتوازن دقيق، وأن الإنسان قد استُخلف فيها لحفظ هذا التّوازن ورعايته. ومن هذا المنطلق، ينبغي ألا يُنظر إلى العمل المناخي بوصفه مسارًا منفصلاً عن التّمويل الإسلامي، بل كجزء أصيل من منطلقاته الأخلاقية. 

التّمويل الإسلامي كأداة للعمل المناخي

يتناول بحث الدكتوراه خاصتّي هذه المسألة بشكل منهجي. وتشير النّتائج التي توصلتُ إليها إلى أنّ الدول التي تمتلك قطاعات تمويل إسلامي أكثر تطورًا تنزع إلى تحقيق مستويات أعلى من المرونة المناخية ومعدلات أدنى من الهشاشة، ولا سيّما ضمن اقتصادات دول منظّمة التّعاون الإسلامي. ويكتسب هذا المؤشّر أهمية استثنائية نظرًا لأن العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة هي من ضمن الأكثر عرضةً للمخاطر المناخية، بالتّزامن مع محدودية قدراتها المالية والمؤسسيّة. وفي مثل هذه السّياقات، يمكن للتمويل الإسلامي أن يوفر مسارًا أخلاقيًا لتحقيق تحوّل عادل.

ومع ذلك، فإنّ التّمويل الأخلاقي بمفرده لن يتمكّن من مواجهة التّحديات التي تفرضها أزمة المناخ تلقائيًا، إذ لا بدّ من ترجمة هذه القيم إلى سياسات وتشريعات ومنتجات ملموسة. ويتطلّب ذلك دمج المخاطر المناخيّة ضمن الأطر التنظيمية والرّقابية للتمويل الإسلامي. كما ينبغي للحوكمة الشّرعية أن تتفاعل بشكل أكثر عمقًا مع التأثيرات البيئية والاجتماعية، عوضًا عن التركيز الحصري على الامتثال العقدي للشّروط. وفي الوقت ذاته، يمكن دمج أدوات التمويل الاجتماعي الإسلامي مثل الزكاة والأوقاف مع الصكوك الخضراء والتمويل العام ورؤوس أموال القطاع الخاص. ويحمل هذه أهميّة خاصّة في دعم مشاريع التكيف الشاملة ذات الأثر الاجتماعي القوي والعوائد التجارية المحدودة. 

وثمّة مسألة أخرى تحظى باهتمامي وهي الوعي المناخي. إنّ إقامتي في المملكة المتّحدة، حيث تحظى مسألة التحوّل الأخضر بنقاش واسع النطاق، دفعتني للتأمل في واقع المجتمعات في موطني الأصلي، حيث لا تتوفّر فرص متكافئة للوصول إلى هذا الوعي. لذلك يبدو العمل المناخي غاية بعيدة المنال. وفي ظلّ النّقص في التّمويل، تظل القدرة على مواجهة أزمة المناخ محدودة. وفي ظلّ غياب العدالة، قد يؤدي هذا التّحول إلى نشوء أنماط جديدة من عدم المساواة. 

إنّ مستقبل التّمويل الإسلامي لا يكمن في التوسّع السوقي فحسب، بل في حجم مساهمته الأخلاقية. إذ ينبغي له أن يدعم تمويل جهود التعّافي في أعقاب الكوارث وتعزيز آليات المرونة والاستعداد قبل وقوع الأزمات وضمان عدم إقصاء المجتمعات الهشّة أثناء مرحلة التحوّل. إن غاية التّمويل الإسلامي لا تكمن في مجرّد في مغايرة التّمويل التقليدي، بل إنّ تطلّعه الأسمى هو أن يكون البديل الأفضل: الأكثر عدلاً والأشد مسؤولية والأوسع شمولاً والأكثر اتساقًا مع حفظ النّفس وصون كوكب الأرض.

لهذه الأسباب، شكلت زمالة الطّيّب تجربة فارقة ومفعمة بالقيمة بالنسبة لي. إذ أتاحت مساحة للتواصل مع نخبة من المفكرين والمختصين الذين يشاركونني الرّؤية ذاتها، مؤمنين بأنّ التمويل الإسلامي لا ينبغي أن يظل أسيرًا للأوراق والأطروحات الأكاديمية، بل يجب أن يكون جزءًا فاعلاً في حركة عالميّة أوسع لإعادة التّوازن إلى هذا العالم.