يعيش النّاس في الدّول المسلمة في جميع أنحاء العالم على الخطوط الأماميّة في مواجهة أزمة المناخ. فمن موجات الحرّ الشّديدة وشُحّ المياه إلى الفقر الطّاقوي، تتحمّل المجتمعات الأكثر هشاشةً التّكلفة الأثقل لهذه الأزمة. ألا يوجد حلٌّ متركّزٌ في صلب مجتمعاتنا المحليّة للتخفيف من وطأة هذه الأعباء البيئيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة المتفاقمة؟

 من خلال تغيير رؤيتنا لدور المساجد والانتقال بها من مجرّد مساحات دينيّة إلى مراكز للخلافة البيئيّة الفاعلة، نستطيع تحويلها إلى حواضن لا مركزيّة لتعزيز المرونة المُجتمعيّة تصون كرامة الحياة الإنسانيّة وتبني قدرات الأحياء المحيطة.

موازنة العدالة والبُنية التّحتيّة انطلاقًا من القيم الدّينية

لا يقتصر هذا التّحوّل على التّرقيات التّقنيّة فحسب، بل هو ترجمة للمبادئ الإسلاميّة البيئيّة كالميزان والخلافة والحكمة. الإيمان يقتضي تحمّل المسؤوليات والمحاسبة ويدعونا إلى حماية الأكثر ضعفًا وإلى إرساء قيم التّكافل الجماعي والعدالة. من منظور إسلامي، تسير رعاية البيئة جنبًا إلى جنب مع رعاية المجتمع.

وعلى صعيدٍ آخر، فإنّ أزمة المناخ في عصرنا الحاليّ تُفاقم التّهديدات والأضرار وتُعمّق أوجه التّفاوت الاجتماعي والاقتصادي القائمة. وتتحمّل المجتمعات المُسلمة، ولا سيّما تلك التّي تعيش في المناطق الرّيفية والمهمّشة، العبء الأكبر للتدهور البيئي، في الوقت الذّي تظّل فيه غير مشمولة في دوائر صنع القرار المناخي العالمي. وتجدر الإشارة إلى أنّ العديد من المساجد لا تزال تستهلك الطّاقة والمياه بشكل سلبي، دون تطويع بنيتها أو قدرتها للمساهمة في جهود التّخفيف من حدّة آثار تغيّر المناخ وجهود التّكيّف. وتبرز فجوة في الوعي تتعلّق بإمكانيّة دور العبادة هذه أن تخدم أيضًا كملاذات آمنة وحواضن داعمة للمجتمعات المحليّة.

من خلال تزويد المساجد بالطّاقة المتجدّدة وبتقنيّات جمع مياه الأمطار وببنيّة تحتيّة صديقة للبيئة، يمكن المساهمة في سدّ هذه الفجوة. هذه المقاربة تصنع تحولًا جذريًا في النّموذج السّائد، لتنتقل المساجد من كونها مجرد متلقٍّ سلبي للموارد إلى جهات نشطة وفاعلة في إحداث تغيير إيجابي ضمن المجتمعات المحليّة. وهذا يؤكّد بوضوح أنّ العدالة في التّحوّل الطّاقوي ليست مجرد مسألة تغيير في السّياسات العامّة فحسب، بل هي قضيّة ذات أبعاد روحية عميقة أيضاً.

ما هي العوائد الاقتصاديّة والاجتماعية؟

عندما تتحوّل المساجد إلى مراكز لتعزيز المرونة المُجتمعيّة، تكتسب الأحياء السّكنيّة المحيطة بها شبكات أمان اجتماعي واقتصادي قادرة بشكل مباشر على معالجة القضايا المرتبطة بالفقر وبالسّلامة العامّة وبالعدالة المحليّة. فمن منظور اقتصادي، يسهم تزويد هذه المساحات الإيمانيّة بالطّاقة الشّمسيّة وبتقنيّات تساعد على جمع مياه الأمطار في خفض تكاليف تشغيلها بشكل ملحوظ، ممّا يتيح إعادة استثمار الموارد الماليّة في برامج الرّعاية الاجتماعيّة المحليّة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن مدّ هذه الطّاقة النّظيفة خارج أسوار المسجد لتنير مصابيح الشوارع في الأحياء المحيطة لضمان السّلامة اللّيليّة، أو حتى تزويد المنازل المجاورة التّي تعاني من فقر الطّاقة بالفائض منها. 

 

عندما تتحوّل المساجد إلى مراكز لتعزيز المرونة المُجتمعيّة، تكتسب الأحياء السّكنيّة المحيطة بها شبكات أمان اجتماعي واقتصادي قادرة بشكل مباشر على معالجة القضايا المرتبطة بالفقر وبالسّلامة العامّة وبالعدالة المحليّة. فمن منظور اقتصادي، يسهم تزويد هذه المساحات الإيمانيّة بالطّاقة الشّمسيّة وبتقنيّات تساعد على جمع مياه الأمطار في خفض تكاليف تشغيلها بشكل ملحوظ، ممّا يتيح إعادة استثمار الموارد الماليّة في برامج الرّعاية الاجتماعيّة المحليّة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن مدّ هذه الطّاقة النّظيفة خارج أسوار المسجد لتنير مصابيح الشوارع في الأحياء المحيطة لضمان السّلامة اللّيليّة، أو حتى تزويد المنازل المجاورة التّي تعاني من فقر الطّاقة بالفائض منها. 

وفي أوقات الكوارث الطبيعيّة وظواهر الطقس المتطرّف مثل موجات الحرّ الشّديدة أو أعطال شبكات الطّاقة، تستطيع المساجد أن تلعب دورًا كملاجئ لا مركزيّة. فمن خلال توفير نقاط لتوزيع المياه النّظيفة ومرافق تبريد صديقة للبيئة، تساهم هذه الحواضن في حماية صحّة كبار السّن وذوي الدّخل المحدود ممن لا يقدرون على تحمّل الوصول إلى تكييف الهواء، مما يقي من حالات الاستشفاء المُكلفة النّاتجة عن الإجهاد الحراري. 

علاوةً على ذلك، تمتّد هذه العوائد لتضمن تحقيق الاكتفاء الذّاتي الاقتصادي مستقبلًا بفضل البُنيّة التّحتيّة اللّينة. فعلى سبيل المثال، من خلال العمل على إنشاء حدائق مُجتمعية في المساحات الخاصّة بالمساجد يمكن  تعزيز الأمن الغذائي المحلّي بشكل مباشر وحماية الأفراد من تقلّبات أسعار السّوق. وفي الوقت ذاته، يؤدّي تأسيس اللّجان البيئية إلى بروز قيادات في القواعد الشّعبيّة وإلى فتح آفاق للتدريب المهني للشباب والأئمّة المحليين. ومن شأن هذا كلهّ أن يحوّل المساجد إلى جهات فاعلة مؤثّرة في تحقيق الأمن الاقتصادي المحلّي، ممّا يبرهن أنّ الخلافة البيئيّة قادرة على أن تصبح محرّكًا نشطًا للتحوّل العادل.